هل يمكن أن نعيد من صرخات المعذبين من
السجناء ومن ذاكرتهم الصوتية بناء عمارة للأماكن التي عذبوا فيها تدين
سجانيهم، وأن نستخلص من الأصوات أدلة جنائية عن انتهاكات حقوق الإنسان
والجرائم ضد الإنسانية، وأن نستثمر كل ذلك في أعمال فنية توثق عذابات
الضحايا وتستنهض الضمير وتقدم جماليات مضادة.
يحاول لورانس أبو حمدان،المولود في الأردن عام 1985، الحفر في هذه المنطقة النادرة الخاصة
التي تتقاطع فيها عدة حقول واهتمامات تتراوح بين الفن والعلم، والتكنولوجيا
والسياسة، والصورة والصوت، والعمارة والصحافة الاستقصائية، إذ يستثمر خبرته في الموسيقى وعمله في مجال استخدام الصوت في حقل الأدلة الجنائية
لإنجاز أعماله الفنية التركيبية "انستليشن" التي تعتمد وسائط متعددة ،
ليعيد بناء ما يمكن أن نسميه "عمارة الضحايا" من صرخات عذابهم والأصوات
المحيطة بهم. وسبق أن استخدمت أبحاث أبو حمدان في مجال الأدلة الجنائية الصوتية، كأدلة لدى محكمة الهجرة واللجوء في بريطانيا، واستخدمتها منظمات حقوقية من أمثال منظمة العفو الدولية ومنظمة الدفاع عن الأطفال العالمية.
قدمت أعمال أبو حمدان مؤخرا في العاصمة البريطانية لندن في معرض حمل عنوان "مسر
والميوون هي جسيمات أولية غير مرئية تتميز بشحنة كهربائية سالبة مثل الإلكترون تحملها الأشعة الكونية التي تخترق الغلاف الجوي للأرض، ويمكن لملايين الملايين من هذه الجسيمات اختراق طبقات من الكونكريت أو الصخور أو طبقات التربة الأرضية.
وقد تمكن العلماء من تطوير تكنولوجيا استخدام خاصية هذه الجسيمات لرؤية ما خلف الكتل، واستخدمت هذه التقنية على سبيل المثال لا الحصر للغوص في أعماق الجدران الصخرية للإهرامات واكتشاف غرفة سرية في عمقها، أو في فحص محتويات صفوف من الحاويات الفولاذية الكبيرة المستخدمة في النقل البحري.
ومن هذا المنطلق، يرى أبو حمدان أن الجدران التي تتكاثر حولنا باطراد، ووصلت إلى نحو 63 سياجا أو حاجزا ماديا تفصل بين الدول في أربع قارات، بعد أن كان مجموعها 15 سياجا أو جدارا محصنا في عام 2000، لم يعد لها معنى.
وفي العرض الأدائي الذي قدمه متحف التيت للفن الحديث، قدم عرض فيديو تركيبيا يعتمد سرد عدد من الحالات القضائية تتركز على أدلة مستخلصة عبر الجدران، عبر الصوت في الغالب، محاولا إعادة بناء صوتي مرفق بتجسيدات بصرية لها تتخللها مونولوجات عنها سجلها في استوديوهات فونكهاوس (موقع مجمع استوديوهات إذاعة جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة في الخمسينيات).
يبتدئ أبو حمدان في عمله من قضية داني لي كيلو الذي استخدمت السلطات الأمريكية فيها جهازا لتسجيل مستوى الانبعاث الحراري عبر جدران بيته، لتكتشف كمية حرارة أكبر منبعثة من المرآب الملحق بمنزله، كدليل على استخدامه إنارة صناعية لتنمية نبات الماريوانا، وأصدرت بناء على ذلك أمرا قضائيا بتفتيش منزله حيث اكتشف أنه يزرع أكثر من 100 نبتة ماريوانا هناك.
ويعرج أبو حمدان إلى استخدام دليل وصول الصوت عبر الجدران في قضية محاكمة العداء الجنوب أفريقي مبتور الساقين، أوسكار بيستوريوس الذي قتل صديقته وأدعى أنه لم يسمع صرخاتها بسبب جدران الحمام.
وينتقل أبو حمدان إلى استخلاص أدلة من الذاكرة الصوتية لسجناء سابقين في سجن صيدنايا سيء الصيت في سوريا، وهو مشروع كان نتاج عمله عام 2016 في إجراء "تحقيق صوتي" بالتعاون مع منظمة العفو الدولية ومجموعة "عمارة الأدلة الجنائية"، لبناء ذاكرة صوتية، بل قل لغة غير لفظية عبر مقارنة الأصوات فيه، بحسب تعبيره، للسجن نفسه، الذي ظل بمنأى عن دخول مراقبين مستقلين ومعرفة ما يجري داخله.
وتقول منظمة العفو الدولية إن 13 ألف شخص قد لقوا حتفهم داخله منذ بدء حركة الاحتجاجات في سوريا عام 2011.
وكانت ذاكرة بعض من اُطلق سراحهم المصدر الرئيسي المتوفر لمعرفة ما جرى داخل السجن و توثيق الانتهاكات التي جرت فيه، مادامت قدراتهم على رؤية ما يجري في داخله محدودة جدا.
ح شاهد سماع" في غاليري تشيزنهيل، فضلا عن عرض أدائي تحت عنوان "ً " في متحف التيت للفن الحديث، ويمكن أن نقترح له هنا مرادفا تقريبيا، وإن افتقد طباق السلب الذي لعب عليه في صوت كلمة جدار الإنجليزية، هو "جدران مخترقة" لمجرد التقريب إذ لا يطابق كليا عنوان المعرض.
No comments:
Post a Comment